سهيلة عبد الباعث الترجمان
710
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أصلا . ويعرّف الشهرستاني بمعنى الجبر بقوله : " الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى " « 1 » وهناك من توسط بين الجبرية والقدرية أي المعتزلة ، فجعل اللّه خالقا لأفعال الإنسان لأن الإنسان بجميع أفعاله مخلوق للّه لقوله تعالى : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ « 2 » ولكنهم مع ذلك يثبتون للّه استطاعة يحدثها اللّه فيه مقارنة للفعل ، لا متقدمة عنه ولا متأخرة ، فالإنسان عندهم مكتسب لعمله ، واللّه تعالى خالق لكسبه . وهؤلاء هم أهل السنة والجماعة ، ومنهم الأشعرية ومن وافقهم في مقالتهم في هذا الصدد « 3 » . وقد حاولت كل فرقة من الفرق الكلامية المتجادلة أن تؤيد وجهة نظرها تارة بالأدلة النقلية وتارة بالأدلة العقلية ، ومن الشواهد النقلية عند هذه الفرق ما يوجد في القرآن والحديث . فالمتأمل في القرآن يجد آيات توحي بالجبر وآيات توحي بالاختيار فمن آيات الجبر قوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 4 » . وفي الحديث الشريف قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : " أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره " ( رواه مسلم ) وقد نبه الشهرستاني إلى أن من أثبت للقدرة الحادثة أثر في الفعل وسمى ذلك كسبا ( كأهل السنة والأشعرية ) فليس بجبري « 5 » . ولكن ما نوع الجبرية التي يثبتها ابن عربي ؟ والجواب على ذلك سبقت إليه الإشارة في الباب الأول « * » إذ أن الجبرية التي يثبتها ابن عربي ليست جبرية مادية كذلك الجبرية التي صدرت عن وحدة الوجود الرواقية ، ولا تشبه جبرية غيره من المسلمين كالجهمية من أتباع الجهم بن صفوان ، الذين افترضوا العالم مسيّرا بقوة عليا هي اللّه ، ولا تقارب كذلك رأي المتكلمين من الأشعرية الذين يقولون " إن اللّه خالق الإنسان وأفعاله ، أو ما ذهب إليه العلّاف من المعتزلة أن الإنسان حر مختار في الدنيا ، مجبر في الآخرة . إنما هي جبرية مؤداها القول بأن القوانين
--> ( 1 ) الشهرستاني : الممل والنحل ، ج 1 ، ص 85 . ( 2 ) سورة الصافات ، الآية : 96 . ( 3 ) التفتازاني : علم الكلام وبعض مشكلاته ، ص 136 . ( 4 ) سورة الإنسان : الآية : 30 . ( 5 ) الشهرستاني : الملل والنحل ، ج 1 ، ص 85 . ( * ) انظر الفصل الثاني ص 295 ( الجبرية والحتمية في مذهب ابن عربي ) .